الشيخ علي الكوراني العاملي
403
جواهر التاريخ ( دراسة لشخصية أبي سفيان ومعاوية )
الأرض وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ . ( القصص : 19 ) فضحك معاوية ثم قال : لله درُّك أخرجي ، ثم لا أسمع بك في شئ من الشام ! قالت : وأبي لأخرجنَّ ثم لا تسمع بي في شئ من الشام ، فما الشام لي بحبيب ، ولا أعرج فيها على حميم وما هي لي بوطن ، ولا أحِنُّ فيها إلى سكن ! ولقد عظم فيها دَيْني وما قرَّت فيها عَيْني ! وما أنا فيها إليك بعائدهْ ولا حيث كنتُ بحامدهْ ! فأشار إليها ببنانه أخرجي ، فخرجت وهي تقول : واعجبي لمعاوية يكفُّ عني لسانه ، ويشير إلى الخروج ببنانه ! أما والله ليعارضنه عمرٌو بكلام مؤيَّد سديد ، أوجع من نوافذ الحديد ! أوْ ما أنا بابنة الشريد ! فخرجت وتلقاها الأسود الهلالي وكان رجلاً أسود أصلع أسلع أصعل ، فسمعها وهي تقول ما تقول فقال : لمن تعني هذه الأمير المؤمنين تعني عليها لعنة الله ؟ ! فالتفتت إليه فلما رأته قالت : خزياً لك وجدْعاً ، أتلعنني واللعنة بين جنبيك ، وما بين قرنيك إلى قدميك ! إخسأ يا هامة الصعل ووجه الجُعَل ، فأذلل بك نصيراً ، وأقلل بك ظهيراً ! فبُهت الأسلع ينظر إليها ، ثم سأل عنها فأُخبر ، فأقبل إليها معتذراً خوفاً من لسانها ، فقالت : قد قبلت عذرك وإن تعد أعد ، ثم لا أستقيل ولا أراقب فيك ! فبلغ ذلك معاوية ، فقال : زعمت يا أسلع أنك لا تواقف من يغلبك ! أما علمت أن حرارة المتبول ليست بمخالسة نوافذ الكلام ، عند مواقف الخصام ! أفلا تركت كلامها قبل البصبصة منها والاعتذار إليها ؟ قال : إي والله يا أمير المؤمنين لم أكن أرى شيئاً من النساء يبلغ من معاضيل الكلام ما بلغت هذه المرأة ، حالستها فإذا هي تحمل قلباً شديداً ولساناً حديداً وجواباً عتيداً ، وهالتني رعباً وأوسعتني سباً . ثم التفت معاوية إلى عبيد بن أوس فقال : ابعث لها ما تقطع به عنا لسانها وتقضي به ما ذكرت من دينها ، وتخفُّ به إلى بلادها . وقال : اللهم اكفني شر لسانها !